لا يختلف اثنان في الصعوبة التي ينطوي عليها تعلم اللغات، لاسيَّما عندما يتعلق الأمر باللغات التي تنحدر من عائلات تختلف تمامًا عن عائلة لغتنا الأم (فمثلًا يُقال إن اللغة اليابانية هي الأصعب لمتحدثي اللغة الإنجليزية)، فنحن نفتقر في هذه الحالة إلى عامل مساعد يمكِّننا من الاحتفاظ بالمعلومات الجديدة، مثل تشابه بعض الكلمات أو التعبيرات أو القواعد النحوية التي تقرع جرسًا يعيد إلى الأذهان قواعد لغتنا الأم.

ويزداد الأمر سوءًا إذا غابت عنا بعض المهارات الجوهرية في تعلم اللغات، مثل قوة الذاكرة والمهارات التحليلية والتعرف على الأنماط. كل هذه العوامل يمكن أن تكون عوامل تحفيز تمد بعض الأشخاص بمهارات مُبهرة في تعلم اللغات، وتحط في المقابل من قدرة بعض الأشخاص على تعلمها.

بغض النظر عن كل ما ورد آنفًا، يسعنا القول إنه لا يختلف اثنان في الفائدة التي تعود على متعلمي اللغات. إن تعلم لغة أجنبية يكاد أن يكون بمثابة بناء شخصية جديدة، أي نحن نتعلم كذلك عن الحضارة والإيديولوجية ومفاهيم غير مألوفة في لغتنا الأم، وكأننا نتقمص شخصية الناطق الأصلي. والأعظم من ذلك هو أن العديد من متحدثي اللغات الأجنبية يذكرون أن سلوكياتهم وآرائهم ومواقفهم تختلف باختلاف اللغة التي يتحدثونها. فقد يشعر متحدث اللغة الإنجليزية بتمتُّعه بنبرة مهذبة للغاية باللغة الإنجليزية، أو بالتعبير عن رأيه بثقة أكبر باللغة الفرنسية، أو بشعوره بالسعادة عند التحدث باللغة الإسبانية. هذه العوامل تفتح لنا آفاقًا جديدة كليًا وكأننا ندخل كونًا لم نكُن نعلم بوجوده.

ولكن الفائدة التي سنركز عليها في هذا المقال متعلقة بالجانب السيكولوجي من تعلم اللغات.

مثلُ تعلم اللغات للعقل كمثلِ ممارسة الرياضة للجسم. فعندما نُقدم على تعلم اللغات الأجنبية، يدخل العقل البشري وضعًا يمارس فيه نشاطات تدريبية تؤدي إلى تقوية عضلاته وتنشيط خلاياه. ولهذا السبب يتمتع محدثو اللغات الأجنبية بقدرة عالية على التركيز واسترجاع الذكريات وأداء وظائف تتطلب مستوى عالٍ من الذكاء، ناهيك عن ذكر الأمراض العقلية التي يكافحها تعلم اللغات، مثل الزهايمر وانفصام الشخصية والخرف.

وإحدى الفوائد غير المتوقعة لتعدد اللغات هي قدرة المرء على ممارسة العديد من المهام في آن واحد. بمعنى آخر، الأشخاص الذين يتحدثون لغات متعددة بطلاقة يمكنهم أن ينطقوا باللسان الإنجليزي والفرنسي والعربي مثلًا متى رغبوا في ذلك. يمكنهم بذلك الانتقال من شخصية إلى أخرى، وثقافة إلى أخرى، ونظام إلى آخر، بكل سهولة وفي غضون ثوانٍ. بفضل ذلك، فهم يتمتعون بقدرة عالية على أداء العديد من المهام بشكل متزامن.

يمكننا أن نرى من الأمثلة السابقة أن تعلم اللغات الأجنبية يستحق العناء بالفعل، مهما بدا لنا أنه أمر صعب. فعلاوةً على الفرص والإمكانيات التي يتيحه لنا تعلم اللغات، فهي تعود علينا بالفائدة فيما يتعلق بصحتنا العقلية.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *