من أكثر الخرافات التي تدور في فلك عالم الترجمة هي أن أي شخص يتحدث لغتين يمكن أن يصبح مترجمًا تلقائيًا وكأن المترجم لا يعدو عن كونه قاموسًا على هيئة إنسان. وفي المقابل، يدرك المترجمون وكل من رحم ربي أن الترجمة تتطلب معرفة وحسن اطلاع وثقافة وإتقان اللغات إلى درجة الكمال. يوجد فرق شاسع بين الشخص ثنائي اللغة والشخص ثنائي الثقافة، ويعتبر ذلك عامل تفريق، بل عامل توفيق، لجسر الهوة بين الثقافات ونقل المعلومات بأكبر قدر من الدقة والإخلاص.

يتمحور موضوعنا اليوم بشكل أساسي حول الصفات والمهارات التي يتعين على المترجم أن يتسلح بها حتى يحارب ضد العقبات التي تقف في طريقه لنقل المعلومات من حضارة إلى أخرى بسلاسة وشفافية ولحماية العناصر الأساسية من النص من التناثر خلال عملية التحويل اللغوي التي يخضع لها.

أعتقد أن المقدمة لم تترك مجالًا للشك في أحد أهم مقوِّمات النجاح في مجال الترجمة، ألا وهو أن يكون المترجم مترجمًا بالفعل. مثلُ المترجم الذي لم يدرس الترجمة، كمثلِ الطبيب الذي لم يدرس الطب. كمثلِ بحار بلا بوصلة. لا يدرك الكثيرون الخطورة التي يمكن أن تنتج عن ممارسة الترجمة دون أن يكون صاحبها مؤهلًا لذلك على المستوى الأكاديمي. من منا لم يسمع عن أخطاء خرقاء ومضحكة ومخزية وقع فيها مترجمون؟ بعد أن أطلت التفكير في هذا الأمر، توصلت إلى أن هذا المقال سيمتد على كلمات وسطور وصفحات أكثر إذا سرت في الاتجاه المعاكس. ما أقصد بذلك هو أنني قررت، متمردةً على عنوان هذا المقال، أن أقف في زاوية تمكنني من تناول هذا الموضوع من جانب آخر، وهو أن أصب تركيزي على الصفات التي لا يجب على المترجم التحلي بها.

ممارسة الترجمة كهاوٍ: يعني ذلك أن المترجم لم يلتحق بأي جامعة أو معهد أو برنامج يؤهله لممارسة الترجمة. يمكن أن يكون هذا الشخص طبيبًا أو مهندسًا أو نجارًا ولكنه يجيد لغتين، ربما بطلاقة وربما بركاكة، مما يوحي له أنه قادر على ترجمة الوثائق الفنية والطبية والقانونية وغيرها من المجالات التي تقبع، وربما حتمًا، خارج نطاق معرفته. كما ذكرت آنفًا، فإن أولئك الذين وُلدوا في ظل عائلة تنطق بلغتين أو أولئك الذين تسنت لهم فرصة العيش في بلد أجنبي تمكنوا خلال تلك الفترة من تعلُّم لغته غير مؤهلين تلقائيًا لممارسة الترجمة؛ لأنهم يجهلون قواعد هذه المهنة التي تتجاوز القدرة على الثرثرة بأكثر من لغة واحدة.

ممارسة الترجمة مع وجود قصور في إحدى لغاته: يعتقد الكثير من العاملين في مجال الترجمة أن أهم ما في الأمر هو أن يتقن المترجم لغته الأم؛ نظرًا لأنها اللغة التي سيترجم إليها طوال مسيرته المهنية. يرجع القرار في ذلك إلى المترجم بنفسه، أي هو لوحده قادر على تقييم قدراته على الترجمة من لغته الأم وإليها، أي هذا الأمر لا يعنيني ولن أتطرق إليه. ما ألمح إليه هو أنه يجب على المترجم ألا يتدخل في أي مشروع يتطلب منه الترجمة من لغة لا يتقنها أو إليها، ويرجع ذلك لأسباب واضحة كوضوح الشمس.

ممارسة الترجمة بانحياز: لا يجدر بالمترجم أن يحرِّف الكلام الذي يترجمه كما يحلو له أبدًا حتى لو لم يتناسب مع رأيه وذوقه ومبادئه. يمكن أن تنجم عن ذلك مشاكل وكوارث ويمكن أن يصل الأمر إلى تعرض أحدهم إلى الحوادث والأضرار الجسيمة وحتى الوفاة إذا تعلق الأمر بآلات ميكانيكية يقوم بتشغيلها البشر مثلًا. يمتلك كل منا الحق في رفض أي مشروع يتعارض مع مبادئنا ومعتقداتنا، وهنيئًا لمن له القدرة على ترجمة مواضيع تتناقض مع عقيدته دون أي انحياز.

هذه بعض الأمثلة عن صفات يجب أن يبتعد عنها أي شخص يسعى إلى تسلق سلم النجاح في ميدان الترجمة وأن يتألق بمهارات على ملعب الترجمة ويفوز ببطولتها. أو إذا طبقنا مبدأ السير في الاتجاه المعاكس، فهي أمثلة عن صفات يجب أن يتحلى بها من يتوقى إلى تحقيق مهنة في الترجمة تدعو إلى السخرية.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *