لو حُكي لنا منذ عقد من الزمن حكاية وجود آلة تقدم لنا الترجمات على طبق من فضة، لما استوعبت ذلك عقولنا. من كان يعتقد أن في عصرنا هذا سيصبح استخدام المترجم الآلي لترجمة الكلمات التي يستعصي إدراكها على عقولنا أمرًا واقعًا؟ على الرغم من أن هذه المحركات تعد مفيدة إلى حد كبير، إلا أن ذلك لا ينفي واقع وجود الكثير من العيوب التي تعتريها والشوائب التي تلوث شفافيتها. هل يُعد الوجود المادي لهذه الآلة بمثابة دليل قاطع على تأديتها للمهام التي تضاهي في صعوبتها وتعقيدها المهام التي يؤديها البشر؟

كل ترجمة تحتوي بطبيعتها على ما يلي:

النص المصدر: وهو النص المُراد ترجمته من اللغة المصدر ويعد الجزء الأساسي من الترجمة، أي لا يمكن إجراء عملية الترجمة دون وجود هذا النص. يتمحور هذا الطرف من معادلة الترجمة حول اللغة المصدر، وبذلك فإن أهم المتطلبات هي أن يمتلك المترجم زمام هذه اللغة، أي يكون ملمًا بجميع عناصرها من مفردات وتعبيرات وقواعد نحوية وغيرها حتى يستوعب ما يقصده الكاتب الأصلي وبذلك يكون قادرًا على نقل هذه المعلومات دون أي صعوبة أو مواربة.

النص الهدف: وهو النص الذي يحصل عليه المترجم عن طريق تقيُّده بالأفكار الواردة في النص وتسلسله ونبرة الكاتب وما إلى ذلك في اللغة الهدف، وبذلك فإن اللغة الهدف لدى هذا المترجم يجب أن تكون مثالية إلى أبعد الحدود، بل تطالب الأغلبية الساحقة من العملاء بأن يكون المترجم ناطقًا أصليًا بهذه اللغة حتى يبدو النص وكأنه كُتب بتلك اللغة وحتى تكون العناصر المُكوِّنة للنص من مفردات وتعبيرات محبوكة لا تفسح مجالًا لأي سوء تفاهم أو تشويش قد يعتري القارئ.

يجب على المترجم المحترف أن يقوم بقراءة النص وتحليله بشكل مستفيض، حتى لا تمر أي كلمة أو عبارة أو حرف مرور الكرام. لا يمتلك أي مترجم حقًا في تحريف النص الأصلي أو الانحراف عن الأفكار الواردة فيه حتى لو كان يعني ذلك تحسينه وإضفاء رونق إليه.

ولهذا عند اتحاد المرحلة الأولى من معرفة المترجم باللغة الأصلية مع المرحلة الثانية من قدرته على اتخاذ القرارات الصائبة في اللغة الهدف، فحن نحصل بذلك على ترجمة متوازنة تنجح في جسر الهوة بين الثقافتين المعنيتين.

على سبيل المثال، يجهل الكثير من مستخدمي مترجم “جوجل” طريقة عمله. إن محركات الترجمة الإحصائية في الحقيقة قائمة على الملايين من الترجمات البشرية، أي هي بمثابة قاعدة بيانات عملاقة تأوي الآلاف من الكلمات المترجمة سابقًا. ولكن هل يعني ذلك أن هذه الكلمات يمكن إعادة تدويرها دون أن تفقد خصائصها الأصلية؟

إذا قمنا بإجراء مقارنة بين قدرة المترجم الحقيقي وقدرة المترجم الآلي، فسنجد أن عملية نقل المعلومات لن تحدث بسلاسة لدى المترجم الآلي، وأنه سيقدم لنا في أغلب الظن ترجمة حرفية لا تؤدي الوظيفة المستهدفة من النص الأصلي. إن مترجم “جوجل” عبارة عن ببغاء يعيد لنا ما قيل في وقت سابق في سياق يشبه إلى حد كبير السياق الذي نقدمه إليه.

وسعيًا لتحسين جودة الترجمات التي يولِّدها مترجم “جوجل”، قامت شركته الأم بتأسيس مجتمع على شبكة الإنترنت تطلق عليه اسم “مجتمع مترجم جوجل” توجد فيه العديد من الفقرات التي تلزم ترجمتها وأخرى يتوجب إثبات صحتها (أي أنها مترجمة بالفعل). هذا المجتمع متاح لكل من يرغب في المساهمة في تحسين جودة مترجم “جوجل”، أي يمكن لأي شخص له جهاز كمبيوتر واتصال بشبكة الإنترنت أن يقتحم هذه الصفحة وأن يرمي اقتراحاته هنا وهناك… يمكننا أن نرى من المثال التالي طريقة عمل هذه المنصة:تكمن المشكلة في ذلك في أنه ليس كل من ملك جهاز كمبيوتر واتصالًا بشبكة الإنترنت قادرًا على ممارسة الترجمة. لا يقتصر عمل المترجم على وضع جملة تشبه في هيكلها وكلماتها الجملة الأصلية بلغة أخرى. لا يعلم أي منا من هم هؤلاء الذين يضيفون هذه الترجمات التي يعتبرها مترجم جوجل “معتمدة” أو “صحيحة”. لا يمكن لنا أن نضمن صدق النتائج التي نحصل عليها؛ لأننا نجهل إلى حد كبير مصدر هذه الترجمات.

والأسوأ من ذلك هو أننا نجد مترجمين معتمدين من منظمات عالمية مثل المنظمة الأميركية للمترجمين وغيرها من المؤسسات الضخمة والمرموقة يقترفون أخطاءً لغوية لا يُغفر لها وأخطاء ترجمة خرقاء. كيف لنا أن نثق بقدرة الأجسام الآلية -التي يستخدمها “جوجل” لإثبات صحة الترجمة- على نقل رسالة سليمة لما نبحث عنه؟



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *